عفيف الدين التلمساني

29

شرح مواقف النفري

يظهر في بادىء الرأي أنه أشد البعد كما سميته ، فالجواب أن العبد بالفناء عن ذاته وعن أوصافه يبقى بقاء أبديّا لكن بربه تبارك وتعالى فهو مؤد إلى القرب ، وما أدى إلى القرب فهو قرب ، وليس يكون البقاء المذكور ما لم يحصل الفناء المذكور وهذه مسألة إجماع بين طائفة أهل اللّه تعالى ، وذكرهم البقاء بعد الفناء مشهور بينهم . قوله : ( وقال لي : القرب الذي تعرفه مسافة والبعد الذي تعرفه مسافة ، وأنا القريب البعيد بلا مسافة ) . قلت : معنى هذا أن العالم إذا اعتبر البعد والقرب فيما بينهم فلا بد من مسافة ، أما أن بعد الأجسام بالمسافة وقربها بالمسافة فظاهر ، وأما القرب والبعد بالمحبة والبغض ، أو بالرتبة مثل الوزير من الملك وأشباه ذلك ، فالقرب والبعد في هذا النحو مجاز ، وإنما القرب الوضعي بالحقيقة هو المسافي ، وهذا الخطاب تنزل على حكم الحقيقة . قوله : ( وقال لي : أنا أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق ، فمن شهدني لم يذكر ومن ذكرني لم يشهد ) . قلت : هذا المعنى فيه تصريح بالحقيقة الإلهية ، وذلك أن الشاهد حال الشهود هو عين المشهود ، ولذلك قال قائلهم : « انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم » ؛ فنفوسهم هي المشاهدة المشهودة ، وإذا تقرر هذا فالشاهد إذا علم أنه المشهود لم يبق لذكره لنفسه فائدة ؛ فإن الذكر إنما يكون لغائب ، فلا جرم قال : « فمن شهدني لم يذكر » ، وأكد هذا المعنى بقوله : « ومن ذكرني لم يشهد » بمعنى أنه أثبت لي أنانية ذاكرة لمذكور غير نفسه فليس له شهود ، والحالة هذه ، بل هو في حضرة الحجاب وفي غيبة الاغتراب . هكذا هي مواجيد القوم وإن كانوا يسترون ذلك عن الجهال خوفا عليهم من أن يقعوا في الإنكار فيحل عليهم غضب الجبار وأقله البعد عنه في تلك الدار . قوله : ( وقال لي : الشاهد الذاكر إن لم يكن حقيقة ما شهده حجبه ما ذكره ) . قلت : وفي نسخة إن لم يكن حقيقة ما شهد حجبه ما ذكر بغير هاء فيها والمعنى واحد ، وهذا التنزل الكريم أظهر فيه الحقيقة الإلهية أكبر ، وصرح بها